محمد بن جرير الطبري
175
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عباس قوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ قال : كان أهل المدينة قد تبوءوا الدار والإيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أنزل الله عليهم الآيات جحد بها أهل مكة ، فقال الله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ . قال عطية : ولم أسمع هذا من ابن عباس ، ولكن سمعته من غيره . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني أهل مكة . يقول : إن يكفروا بالقرآن فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني أهل المدينة والأنصار . وقال آخرون : معنى ذلك : فإن يكفر بها أهل مكة ، فقد وكلنا بها الملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن عوف ، عن أبي رجاء : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ قال : هم الملائكة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي ، وعبد الوهاب ، عن عوف ، عن أبي رجاء ، مثله . وقال آخرون : عني بقوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني قريشا ، وبقوله : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً الأنبياء الذين سماهم في الآيات التي مضت قبل هذه الآية . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني أهل مكة ، فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ قال : يعني : قوم محمد ، ثم قال : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني : النبيين الذين قص قبل هذه الآية قصصهم ، ثم قال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قول من قال : عنى بقوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ كفار قريس ، فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني به : الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية . وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر ، ففيما بينها بأن يكون خبرا عنهم أولى وأحق من أن يكون خبرا عن غيرهم . فتأويل الكلام إذا كان ذلك كذلك : فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا ، وكذبوا وجحدوا حقيقتها ، فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وأنبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذبون بها ، ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها . وقد قال بعضهم : معنى قوله : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً رزقناها قوما . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . يقول تعالى ذكره : أُولئِكَ هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين ، هم الذين هداهم الله لدينه الحق ، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه والقيام بحدوده واتباع حلاله وحرامه والعمل بما فيه من أمر الله والانتهاء عما فيه من نهيه ، فوفقهم جل ثناؤه لذلك . فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ يقول تعالى ذكره : فبالعمل الذي عملوا والمنهاج الذي سلكوا وبالهدى الذي هديناهم والتوفيق الذي وفقناهم ، اقتده يا محمد : أي فاعمل وخذ به واسكله ، فإنه عمل لله فيه رضا ومنهاج من سلكه اهتدى . وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها